أبي طالب المكي

121

علم القلوب

الآية السادسة قوله جل ذكره : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] ، قال ابن عطاء : خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، واقشعرت منها الجلود ، ثم قرأ هذه الآية : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] ، فتزعزع أعواد المنبر ، وظننت أنه يسقط علىّ ، وكنت تحته ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذكر القيامة احمرت وجنتاه ، وانتفخت أوداجه ، وعلى صوته كأنه منذر جيش صبحهم العدو ، ويقول : « أنا والساعة كهاتين - ويجمع بين السبابة والوسطى - إن كادت تسبقني » . وكان أبو يزيد يوم الجمعة جالسا بحذاء المنبر ، وقرأ الإمام : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] ، فهاج بأبى يزيد حاله ، وجعل يبكى ، وخرج عينه الدم كدم العرق « 1 » ، حتى ضرب المنبر وهو يقول : من أنا حتى أقدر قدرك . وقال سهل بن عبد اللّه : ما عرفوا اللّه حق معرفته ، [ لا ] في الأصل ولا في الفرع . وقال ذو النون : إن للعارفين ألسنة أرضية ، وسماوية ، وأزلية ، وأبدية ، وإلهية ، فإن رأيت منهم أحد فاصحبه واحذره ، فإن أمره قريب ، وحاله عجيب ، وعوزه بعيد ؛ لأن المعروف له حبيب « 2 » . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الناس كلهم في ذات اللّه حمقى » . وقال أبو بكر الصديق ، رضى اللّه عنه : سبحان من لم يجعل لأحد من خلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن درك معرفته . وكانت رابعة تقول : إلهي ، عرفني نفسك ، فإني إذا عرفتك خفتك ، ومحال أن يعصيك من يخافك .

--> ( 1 ) أي كالدم الذي ينزف من العرق ، ولعل حمرة دمع أبي يزيد ، رضى اللّه عنه ، لونت دمعه بلون الدم إن كان مستبعدا في بعض العقول نزف الدم من العين أثناء البكاء . ( 2 ) وجه الحذر من العارف من حيث أنه متقلب في ألوان المعارف ، غارق في التجليات الإلهية وفي شؤونها المختلفة ، والعارف دائما في حالة إفاضة عامة يعرفها القليل ، ويجهلها الكثير ، وله إفاضة خاصة على المستعدين من طلاب الطريق يوجه بها المريد في حذر ، فليحذر المريد من حال شيخه ، وليكن على دراية بكل ما يعمل في كل حال ، ومتى يصمت ، ومتى يتكلم ، ومتى يتوجه ، فإن كان فاطنا نجا ، وإن كان فيه غفلة هوى ، وإن كان مثل ذلك ثابتا في علم الظاهر بين الأستاذ والطالب فلم يثبت في عالم الروحانيات طقوس روحانية أيضا .